محمد بن جرير الطبري

236

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ، ولا يتخرق لهم ثوب ، فذلك قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى وقوله : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن أبن إسحاق ، قال : لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل ، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأَرض المقدسة ، وقال : إنني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا ، فأخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فأني ناصركم عليهم فسار بهم موسى إلى الأَرض المقدسة بأمر الله عز وجل ، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام وهي أرض ليس فيها خمر ولا ظل ، دعا موسى ربه حين آذاهم الحر ، فظلل عليهم بالغمام ، ودعا لهم بالرزق ، فأنزل الله لهم المن والسلوى . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس . وحدثت عن عمار بن الحسن ، ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : ظلل عليهم الغمام في التيه : تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة ، كلما أصبحوا ساروا غادين ، فأمسوا فإذاهم في مكانهم الذي ارتحلوا منه ، فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة . قال : وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم ، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : حدثني عبد الصمد ، قال : سمعت وهبا يقول : إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأَرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأَرض شكوا إلى موسى ، فقالوا : ما نأكل ؟ فقال : إن الله سيأتيكم بما تأكلون . قالوا : من أين لنا إلا أن يمطر علينا خبزا ؟ قال : إن الله عز وجل سينزل عليكم خبزا مخبوزا . فكان ينزل عليهم المن . سئل وهب : ما المن ؟ قال : خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي قالوا : وما نأتدم ، وهل بدلنا من لحم ؟ قال : فإن الله يأتيكم به . فقالوا : من أين لنا إلا أن تأتينا به الريح ؟ قال : فإن الريح تأتيكم به ، وكانت الريح تأتيهم بالسلوى فسئل وهب : ما السلوى ؟ قال : طير سمين مثل الحمام كانت تأتيهم فيأخذون منه من السبت إلى السبت قالوا : فما نلبس ؟ قال : لا يخلق لأَحد منكم ثوب أربعين سنة . قالوا : فما نجتذي ؟ قال : لا ينقطع لأَحدكم شسع أربعين سنة ، قالوا : فإن فينا أولادا فما نكسوهم ؟ قال : ثوب الصغير يشب معه . قالوا : فمن أين لنا الماء ؟ قال : يأتيكم به الله . قالوا : فمن أين ؟ إلا أن يخرج لنا من الحجر . فأمر الله تبارك وتعالى موسى ، أن يضرب بعصاه الحجر . قالوا : فيم نبصر ؟ تغشانا الظلمة . فضرب لهم عمود من نور في وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كله ، قالوا : فبم نستظل ؟ فإن الشمس علينا شديده قال : يظلكم الله بالغمام . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد ، فذكر نحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدي . فحدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط بن نصر ، عن السدي : لما تاب الله على قوم موسى وأحيا السبعين الذين أختارهم موسى بعد ما أماتهم ، أمرهم الله بالمسير إلى أريحا ، وهي أرض بيت المقدس . فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا . وكان من أمرهم وأمر الجبارين ، وأمر قوم موسى ما قد قص الله في كتابه ، فقال قوم موسى لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى ، فدعا عليهم قال : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالى : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى ، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه ، فقالوا له : ما صنعت بنا يا موسى ؟ فلما ندم أوحى الله إليه أن لا تأس على القوم الفاسقين ؛ أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين . فلم يحزن . فقالوا : يا موسى كيف لنا بماء هاهنا ، أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن ، فكان يسقط على شجر الترنجبين ، والسلوى : وهو طير يشبه السمانى ، فكان يأتي أحدهم ، فينطر إلى الطير إن كان سمينا ذبحه ، وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه . فقالوا : هذا الطعام ، فأين الشراب ؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الطعام والشراب ، فأين الظل ؟ فظلل عليهم الغمام ، فقالوا : هذا الظل فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ، ولا يتخرق لهم ثوب ، فذلك قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى وقوله : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ حدثني القاسم بن الحسن ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال أبن حريج ، قال : عبد الله بن عباس : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن . قال : وقال